في التجربة، تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: مجموعة شاهدت التطورات الإيجابية لأسعار البيتكوين خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بينما لم تشاهد المجموعة الأخرى هذه البيانات. وكانت النتيجة أن المجموعة التي اطلعت على الأرقام الإيجابية أظهرت استعداداً أعلى بنسبة 2.5 في المائة للاستثمار في البيتكوين لاحقاً. قد يبدو هذا الرقم صغيراً، لكنه في سياق القرارات المالية يمثل فارقاً كبيراً، وهذا يثبت أن النجاح يجذب مزيداً من النجاح، على الأقل في الأجل القصير.
لماذا ننجر وراء الأسعار المتزايدة؟
الظاهرة التي تصفها الدراسة تُعرف بسلوك متابعة الاتجاهات (Trend-Following Behavior)، وهو ما يشبه القول "إذا كان الجميع يفعلونه، فلا بد أنه جيد". فنحن نميل إلى استقراء النجاحات الماضية إلى المستقبل، حتى لو لم تكن هناك أدلة ملموسة تدعم ذلك. وهذا معروف في عالم البورصة، حيث تغمر فترات الارتفاع الجماعي نوعاً من النشوة الجماعية. فجأة، يتحدث الجميع عن البيتكوين بوصفه "الذهب الرقمي الجديد"، على الرغم من أنه لم يثبت بعد كوسيط تبادل مستقر أو ملاذ آمن.
وتؤكد دراسة البنك المركزي الأمريكي هذا الأمر، مع التأكيد على أن دوافع الكثيرين للمشاركة تنبع من مشاعر عفوية، والميل إلى السلوك الجماعي، وخوف الفوت (FOMO) – الخوف من تفويت الفرصة. لكن الحذر مطلوب هنا، فمثل هذه الآثار النفسية لا تدوم طويلاً. بمجرد أن تثبت الأسعار أو تنهار، يمكن أن تتغير المشاعر بسرعة، أسرع من أن ننطق بكلمة HODL.
لماذا لا ينبغي الاستثمار أعمى؟
ومع ذلك، لا يعني أن آلية عمل السوق النفسية بشكل سلس أننا يجب أن نضع أموالنا في البيتكوين دون تفكير. فحتى النقاد مثل عالمة الاقتصاد كارول ألكسندر من جامعة ساسكس يحذرون منذ سنوات من أن هذا السوق ما زال مجرد ساحة لل speculators (المضاربين). فالكثير من المشاريع ليس لها أساس حقيقي، ناهيك عن وجود نماذج أعمال واضحة. إنه أشبه باستثمار أموالك في سهم لشركة لا وجود له
ا سوى في ورقة بيضاء (Whitepaper) وبعض الميمات (Memes) على الإنترنت.
ولا ننسى ظاهرة FOMO الشهيرة، أو "خوف الفوت"، التي يعاني منها الكثيرون. فمن منا لم يشعر يوماً أن الآخرين يثرون فجأة (على الورق على الأقل) بينما هو ترك الفرصة تمر؟ هذا الشعور دفع العديدين للدخول في عملات مثل Dogecoin أو غيرها من العملات الميمية، لينتهي بهم الأمر بخسائر فادحة عندما يهدأ الهياج. ولا ننسى تأثير تغريدات إيلون ماسك، التي أصبحت لها تأثير أكبر مما نتمنى في تحريك الأسواق.
اهتمام المؤسسات – لكن الاحتياطي الفيدرالي يبقى حذراً
في الوقت الذي ينجذب فيه المستثمرون الأفراد إلى هذه الصحوة، يزداد اهتمام المؤسسات بالسوق أيضاً. فقد قامت شركات مثل MicroStrategy وTesla بشراء كميات ضخمة من البيتكوين، وحتى البنوك التقليدية مثل BlackRock وFidelity بدأت تقدم صناديق استثمار في التشفير (ETFs). وهذا يشير إلى أن السوق الرئيسية آخذة في التوسع ببطء وثبات.
إلا أن الاحتياطي الفيدرالي ما زال حذراً. ففي تقاريره المتكررة، يشير دائماً إلى المخاطر المتعلقة باستقرار السوق، وحماية المستهلك، وكون العملات التشفيرية ما زالت عرضة للاحتيال والتحريف من قبل بعض الأطراف. كما أن أوروبا تشدد تنظيماتها، حيث من المقرر أن تدخل لائحة MiCA (الأسواق للأصول التشفيرية) حيز التنفيذ، والتي تهدف إلى زيادة الشفافية والأمان، لكن العديد من الأسئلة ما زالت بلا إجابة. كيف ستتم الضرائب؟ من سيكون مسؤولاً عن الهجمات الإلكترونية؟ وكيف يمكن حماية المستثمرين من عمليات النصب؟
خلاصة يجب أخذها على محمل الجد
إذاً، تبيّن دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند أن أرباح البيتكوين تجذب مستثمرين جدد، لكن غالباً لأسباب خاطئة. فالمشاعر، والتأثير الجماعي، وخوف الفوت هي التي تدفع بالطلب. لكن هل هذا مستدام؟ الأمر مرهون بعدة عوامل، مثل مدى انتشار الاعتماد على هذه العملة في المجتمع، وكيفية تنظيم السوق، وما إذا كانت تكنولوجيا البلوكتشين ستفي بوعودها حقاً.
أما بالنسبة للمستثمرين، فهذا يعني الابتعاد عن القرارات المتسرعة! حتى لو بدت الفرص واعدة، يجب دائماً طرح الأسئلة التالية: ما سبب ارتفاع السعر حقاً؟ هل يعود إلى تقدم حقيقي أم إلى موجة هيجان عابرة؟ والأهم من ذلك: هل أستطيع تحمل خسارة هذه الأموال؟
تاريخ أسواق التشفير حافل بدورات الازدهار والانكماش. من يدخل هذه السوق يجب أن يضع في اعتباره أنه يستثمر أموالاً يمكنه تحمل فقدها. لأنه عندما يتغير السوق، ستتغير الأمور سريعاً، ولا تساعد حينها أفضل الدراسات النفسية في العالم.
📰 اقرأ أيضًا
→ المتخصصون في البيتكوين يتابعون باهتمام محاضرة جاكسون هول – خطاب الفيدرالي قد يهز الأسواق→ طفرة صناديق الاستثمار المتداولة Bitcoin و Ethereum: تدفقات بقيمة 23 مليار دولار – لكن جزء بسيط منها فقط رأس مال جديد→ بيتكوين والإيثيريوم في طيرانهما: من استغل الفرصة ومن لم يستفد؟