لقد شهدت بنفسي مدى سرعة استغلال ثقة كبار السن. قبل بضع سنوات، حكَت لي جارتنا المسنَّة (في السبعينات من عمرها) كيف اتصل بها شخص يدّعي أنه «موظف في البنك» وأخبرها أن حسابها قد اخُترق، وأن كل مدخراتها كانت في خطر. كانت المرأة خائفة للغاية لدرجة أنها كادت أن تحول ما يقرب من 50 ألف يورو. لحسن الحظ، كانت حفيدتها تزورها يومها، وشعرت بالشك، ما منعها من إكمال العملية. هذه القصص لا تنتهي، كما أنها أصبحت أكثر جرأة مع مرور الوقت.
حيلة المحتالين: عملية نصب قاسية
يعمل المجرمون مثل آلةٍ مُحكمة التنظيم. إنهم يختارون كبار السن، الذين يعيشون غالباً بمفردهم، ويتظاهرون بأنهم أشخاص تثق بهم – سواء أكانوا شرطة أو موظفين في البنك أو حتى مدعين عامين. الحيلة؟ بث الخوف. جمل مثل «تم حظر حسابك!»، «هناك لائحة اتهام مُعلقة ضدك!»، «أموالك في خطر!» تؤثر كالصاعقة، خاصةً لمن عاشا حياتهم في حرص، ويخشون الآن خسارة كل شيء.
ومن أحدث الأمثلة الوحشية التي وقعت في نيويورك: تلقَّت امرأة تبلغ من العمر 78 عاماً مكالمة من شخص يدّعي أنه «شرطي»، أخبرها أن حسابها قد تم اختراقه، وأن مدخراتها التي تتجاوز 230 ألف دولار في خطر محدق. أقنعهُ المجرم بتحويل كل الأموال إلى «حساب آمن» – بالطبع، كان حساباً يخصه في الواقع. مثل هذه المبالغ تُدمر حياة الضحايا، وكثير منهم يشعرون بالخجل لدرجة أنهم لا يبلغون حتى عن الجريمة.
لكن المجرمين كانوا أكثر دهاءً: أجبروا ضحاياهم على تحويل الأموال إلى «جامعي أموال» أبرياء، مثل الكندي الذي تم القبض عليه مؤخراً. هؤلاء الوسطاء – الذين غالباً ما يكونون في موقف يائس أو يشكون من ضائقة مالية – لا يدركون أنهم جزء من شبكة دولية. ربما يعتقدون أنهم يساعدون صديقاً أو يكسبون بعض الدولارات جانباً، حتى تصل الشرطة إلى بابهم.
القبض على أحد المجرمين: خلفية درامية
تم القبض على الكندي البالغ من العمر 32 عاماً في المطار أثناء محاولته العودة إلى كندا، بعد أن أوقفته الشرطة الكندية مع الـFBI. كان بحوزته مبلغاً كبيراً من النقود – على الأرجح «أجره» مقابل المهمة الخطيرة. عثرت الشرطة أيضاً على بطاقات مسبقة الدفع، وبطاقات SIM بأرقام أجنبية، ودفتر ملاحظات مليء بمعلومات حسابات مصرفية. كل هذا يدل على أن هذا الرجل لم يكن مجرد «جامع مال» صغير، بل ربما كان يعمل في نقطة مركزية من شبكة الاحتيال.
مثل هذه الاعتقالات مهمة، لكنها تبقى مجرد قمة الجبل الجليدي. فالمجرمون الرئيسيون غالباً ما يجلسون في دول ضعيفة الرقابة المالية، حيث يغسلون الأموال عبر عدة أيادي حتى تصبح غير قابلة للتتبع. دول أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا غالباً ما تُستخدم لهذه الأغراض، لأنها تفتقر إلى التحقيقات الجنائية القوية أو تنتشر فيها الفساد، ما يسهل طريق المجرمين.
مستقبل حيل الاحتيال: الأكثر خطورة؟
للأسف، سيزداد هذا الوضع سوءاً. يحذِّر الخبراء من استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات «التزييف العميق» (Deepfakes)، التي تمكن المحتالين من إجراء مكالمات أكثر إقناعاً. تخيل أنك تسمع صوت حفيدك على الهاتف، وهو يائس يطلب المال، لتكتشف لاحقاً أنه كان مزيفاً. أو مكالمة فيديو تظهر فيها «ضابطة شرطة» تخبرك أن حفيدك في ورطة. مثل هذه التقنيات تجعل من السهل على المحتالين خداع حتى أكثر الناس شكاً.
ومن ثم تأتي العملات الرقمية. التحويلات عبر البيتكوين أو العملات الرقمية الأخرى تشبه المتاهة بالنسبة للشرطة: بمجرد أن تصل الأموال إلى أيدي المجرمين، يصبح من المستحيل تقريباً استرجاعها.
كيف تحمي نفسك – وأحباءك؟
تنصح السلطات باليقظة، ولسبب وجيه. إليك بعض العلامات الحمراء التي يجب على الجميع معرفتها:
- مكالمات أو رسائل غير متوقعة من شخص يتظاهر بأنه مسؤول في الدولة أو موظف في البنك أو حتى أحد أفراد العائلة – خاصةً إذا كان يضغط عليك.
- الإلحاح! يريد المحتالون أن تتصرف فوراً. لا توجد جهة رسمية أو مصرف حقيقي سيندفع بك إلى تحويل فوري للأموال.
- طلب معلومات حساسة مثل كلمات المرور أو أرقام التعريف الشخصية (PIN) أو الأرقام الكاملة للحسابات. هذا أمر مرفوض تماماً، مهما كان الشخص على الطرف الآخر.
- تعليمات بتحويل الأموال إلى غرباء – سواء شخص ثالث أو عبر العملات الرقمية. هذا يكاد يكون مؤشراً على الاحتيال دائماً.
إذا تلقيت مكالمة مشبوهة، أو لاحظت أي شيء غريب: إقطع المكالمة. اتصل بالرقم الرسمي للجهة (ليس الرقم الذي أعطاك إياه المتصل!) وأخبر الشرطة. والأهم: تحدث عنه! كثير من الضحايا يلجأون إلى الصمت خجلاً، لكننا لن نتمكن من تحذير الآخرين إلا بمشاركة هذه القصص.
مشكلة عالمية تتطلب حلولاً عالمية
القبض على الكندي في كندا هو نصر صغير، لكن المعركة ضد عصابة المحتالين هذه لم تنته بعد. نحن بحاجة إلى رقابة مالية أكثر صرامة، واستجابات أسرع من قبل المصارف، وتعاون دولي أفضل. لكن الأهم من ذلك، نحن بحاجة إلى توعية أكبر. ففي النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بالأموال، بل بثقة فقدت سهولة استعادتها بمجرد تضررها.
بالنسبة للضحايا، يبقون غالباً مع أمل استرداد بعض الأموال، وحتى إذا تم استرجاع جزء منها يوماً ما، يبقى الضرر النفسي. لهذا، نصيحتي لكم: شكوا.
📰 اقرأ أيضًا
→ الخطط التنظيمية لـ KYC للعملات المستقرة تهدد اللامركزية والخصوصية→ إضافات المتصفح المزيفة لمحافظ الكريبتو: برمجيات خبيثة تسرق عبارات الاسترداد السرية→ ملايين المتضررين: فضيحة تسريب بيانات MCNA – كيف تحصل على تعويض يصل إلى 2500 يورو؟